أعلنت هيئة التراث السعودية عن نتائج استثنائية لأعمال التنقيب في موقع “السرين” بمحافظة الليث لعام 2025. البعثة “السعودية-الصينية” المشتركة نجحت في العثور على جدران معمارية ضخمة وبقايا مسجد تاريخي، والأهم من ذلك: قطعة خزف صينية نادرة تعود لعصر أسرة “سونغ الشمالية”، مما يثبت أن هذا الموقع لم يكن مجرد قرية ساحلية، بل كان شريان حياة يربط الجزيرة العربية بأقصى شرق العالم منذ القرن الثالث الهجري.
تفاصيل الاكتشاف: ماذا وجدت البعثة تحت رمال الليث؟
لم تكن الحفائر مجرد بحث عن أحجار قديمة، بل كانت استنطاقاً للتاريخ. إليكم أبرز ما تم توثيقه في الموسم الأخير:
- السور العظيم للمدينة: تم الكشف عن أجزاء ممتدة من سور المدينة في جهات مختلفة، مما يؤكد أن “السرين” كانت مدينة محصنة ومنظمة عمرانياً.
- بقايا مسجد تاريخي: في الجهة الجنوبية الغربية، ظهرت أطلال مسجد ستكون محور الدراسات في المواسم القادمة لفهم البنية الدينية للمجتمع آنذاك.
- الحياة اليومية: العثور على وحدات سكنية، مواقد فخارية، ومخازن، تعطينا صورة حية عن كيف كان يعيش الناس ويأكلون ويتاجرون.
- الخزف الصيني (الحدث الأبرز): قطعة من جرة خزفية بختم صيني (960 – 1127م) كانت بمثابة “البصمة الوراثية” التي أكدت اتصال الميناء المباشر بطرق التجارة العالمية القديمة.
ماذا يعني هذا الاكتشاف للمواطن والمتابع؟
قد يتساءل البعض: “لماذا نهتم بقطعة فخار أو سور قديم؟”. الحقيقة أن هذا الخبر يحمل أبعاداً تمس هويتنا ومستقبلنا:
- تعزيز القيمة السياحية: تحويل محافظة الليث إلى وجهة عالمية للسياحة الثقافية، مما يخلق فرص عمل ويضع المنطقة على خارطة التراث العالمي.
- الفخر الوطني: الاكتشاف يثبت أن أجدادنا كانوا “لاعبين أساسيين” في الاقتصاد العالمي منذ أكثر من ألف عام، ولم يكونوا معزولين عن حضارات الشرق والغرب.
- العمق التاريخي: يعيد تعريف “السرين” كأحد أهم الموانئ الإسلامية على ساحل البحر الأحمر، مما يعزز من مكانة المملكة كملتقى للحضارات.
فقرة تاريخية: هل يعيد التاريخ نفسه؟
يربط الخبراء بين اكتشافات “السرين” واكتشافات سابقة في مواقع مثل “ميناء العقير” أو “موقع الجهوة”، حيث تشترك جميعها في إظهار القوة البحرية للجزيرة العربية. في السابق، كانت السفن تنطلق من موانئ الصين محملة بالحرير والخزف لتفرغ حمولتها في موانئنا، واليوم، عبر “رؤية 2030″، تعيد المملكة إحياء هذا الدور كمركز لوجستي عالمي يربط القارات الثلاث، تماماً كما فعلت “السرين” قبل قرون.
كيف نرى المستقبل في “السرين”؟ (رؤية استشرافية)
إن ما تم الكشف عنه في 2025 هو مجرد “رأس الجبل الجليدي”. نتوقع في المواسم القادمة أن تكشف هيئة التراث عن المزيد من تفاصيل المسجد المكتشف، وربما العثور على عملات نقدية أو نقوش توضح الهيكل الإداري للميناء.
نحن أمام تحول كبير؛ حيث ستتحول هذه المواقع الصامتة إلى متاحف مفتوحة تروي للعالم قصة وطن لم يتوقف يوماً عن كونه جسراً للتواصل البشري. مستقبل “السرين” ليس في رمالها، بل في قدرتها على جذب السياح والباحثين من كل حدب وصوب، لتكون الليث واجهة سياحية تراثية تنافس كبرى المواقع العالمية.