استشهدت المناضلة اللبنانية التاريخية، الدكتورة مها أبو خليل (80 عاماً)، إثر غارة إسرائيلية استهدفت مبنى سكنياً في مدينة صور جنوبي لبنان في أبريل 2026، وذلك قبل دقائق من سريان اتفاق وقف إطلاق النار. الدكتورة مها ليست مجرد ضحية مدنية، بل هي أيقونة نضالية من الرعيل الأول للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، عُرفت عالمياً بلقب “فدائية أثينا” بعد مشاركتها في عملية بطولية عام 1969، لتختتم حياتها كما بدأتها؛ صامدة في وجه الاحتلال فوق أرضها التي رفضت مغادرتها رغم الحرب.


مها أبو خليل: حياة بين فوهة البندقية وقلم الأكاديمية

لم يكن استشهاد مها أبو خليل خبراً عابراً، بل كان استحضاراً لتاريخ كامل من الكفاح العابر للحدود. إليك محطات من سيرتها التي تلخص عقوداً من الالتزام:

  • البدايات والفكر: ولدت في بلدة “القليلة” وترعرعت في صور، وانخرطت مبكراً في صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، متأثرة بفكر الحكيم جورج حبش والقيادي وديع حداد.
  • عملية أثينا 1969: في سن الـ 26، شاركت في عملية نوعية استهدفت طائرة “العال” الإسرائيلية في مطار أثينا الدولي، بهدف الضغط لإطلاق سراح الأسرى العرب، وهي العملية التي تسببت في اعتقالها باليونان قبل أن يتم تحريرها في صفقة تبادل عام 1970.
  • التحول الأكاديمي: لم يتوقف نضالها عند السلاح؛ بل سافرت إلى براغ وحصلت على شهادة الدكتوراه في الإعلام، لتصبح صوتاً فكرياً يدافع عن القضية في المحافل الدولية.
  • العودة والصمود: قضت سنواتها الأخيرة في مدينة صور، مكرسة حياتها للعمل الاجتماعي والتربوي، ومتمسكة بقرارها التاريخي: “لن أغادر منزلي مهما بلغت شدة القصف”.

ماذا يعني رحيل مها أبو خليل للمتابع المعاصر؟ (فقرة تحليلية)

رحيل مها أبو خليل في هذا التوقيت وبالتحديد قبيل الهدنة، يحمل رسائل عميقة تتجاوز الحزن الشخصي:

  1. استمرارية الصراع: يثبت استشهاد فدائية من طراز الستينيات في حرب 2026 أن جوهر الصراع لم يتغير، وأن الأجيال التي بدأت الكفاح ما زالت هي نفسها التي تدفع الضريبة الأغلى حتى في ثمانينيات عمرها.
  2. رمزية الصمود المدني: المتابع اليوم يرى في قرارها عدم النزوح شكلاً من أشكال المقاومة السلبية التي تحرج آلة الحرب؛ فهي اختارت أن تكون “شاهدة” بروحها وجسدها على أرضها، مما يعزز مفهوم الانتماء والهوية لدى الأجيال الجديدة.
  3. المرأة العربية المقاتلة: يعيد الخبر تسليط الضوء على الدور التاريخي للمرأة اللبنانية والفلسطينية في العمل العسكري والسياسي، مبرهناً أن نضال المرأة لم يكن ثانوياً بل كان في قلب العمليات النوعية التي هزت العالم.

فقرة تاريخية: الفدائيات اللواتي غيرن وجه التاريخ

يعيد استشهاد الدكتورة مها إلى الأذهان قصص رفيقات دربها مثل ليلى خالد وجميلة بوحيرد؛ النساء اللواتي كسرن احتكار الرجال للعمل الفدائي في القرن الماضي. عملية مطار أثينا التي شاركت فيها مها عام 1969 كانت جزءاً من إستراتيجية “وراء العدو في كل مكان” التي اعتمدتها الجبهة الشعبية آنذاك لإيصال صوت فلسطين للعالم. تاريخياً، تُعد مها أبو خليل من القلائل الذين نجحوا في الموازنة بين “الرصاصة والكلمة”، محولةً تجربتها من الميدان العسكري إلى الميدان الأكاديمي والدبلوماسي ببراعة نادرة.


رؤية استشرافية: إرث لا يرحل مع الأجساد

إن رحيل مها أبو خليل تحت ركام منزلها في صور ليس نهاية القصة، بل هو فصل جديد من “أسطورة الصمود”. من المتوقع أن يتحول اسمها إلى منارة للمنظمات النسوية والوطنية في لبنان وفلسطين، حيث ستُدرس سيرتها كنموذج للمثقف المشتبك الذي لا يتقاعد. في المستقبل، ستبقى كلماتها الأخيرة: “الوطن لا يُشترى إلا بالدم”، دستوراً للأجيال القادمة التي ستزور ضريحها في صور، مدركةً أن الهدنة قد توقف أزيز الرصاص، لكنها لا تطفئ جذوة الحق الذي دافعت عنه مها طوال 80 عاماً.

سؤال للنقاش: هل تعتقد أن النضال الأكاديمي والفكري يكمل العمل الميداني أم يغني عنه؟ شاركونا آراءكم في التعليقات.