تصدر اسم القارئ والمنشد الكويتي الشيخ مشاري بن راشد العفاسي محركات البحث ومنصات التواصل الاجتماعي، إثر تداول مقاطع وأنباء تتحدث عن “أنشودة” أو موقف اعتبره البعض مثيراً للجدل فيما يخص العلاقة مع إيران أو توظيف التراث الإنشادي في سياقات سياسية معينة. الحقيقة أن الأمر اختلط فيه العفوي بالسياسي؛ حيث تعود القصة إلى انتشار مقطع إنشادي قديم أو معاد صياغته أثار حفيظة قطاع من الجمهور، بينما دافع محبو العفاسي مؤكدين أن فنه يهدف للوحدة الإسلامية والجمال الإيماني بعيداً عن الصراعات السياسية الضيقة، معتبرين أن هناك حملة لتشويه تاريخه الحافل.
ماذا يعني هذا الخبر للمواطن والمتابع العربي؟
عندما يسقط رمز ديني وفني بحجم العفاسي في فخ “التأويل السياسي”، فإن ذلك يحمل دلالات عميقة للمواطن والمتابع:
- حساسية “الفن الهادف”: الخبر يعني للمتابع أن المنشد الديني لم يعد يعيش في معزل عن التوترات الجيوسياسية؛ فأي كلمة أو لحن قد يُفسر كـ “انحياز” في منطقة تعاني من الاستقطاب.
- قوة “الاقتطاع” الرقمي: يوضح الخبر كيف يمكن لمقاطع قصيرة منزوعة من سياقها أن تخلق أزمة دبلومسية شعبية، مما يفرض على المتابع ضرورة التحقق قبل إطلاق الأحكام.
- سقف التوقعات من الرموز: يعكس الجدل رغبة الجمهور في بقاء “صوت العفوية” ورموز القراءة والإنشاد في منطقة محايدة تجمع القلوب ولا تفرقها، وهو تحدٍ صعب في الواقع المعاصر.
لمحة تاريخية: المنشدون في حقل الألغام السياسي
ليست هذه المرة الأولى التي يجد فيها رواد الإنشاد أنفسهم وسط عواصف سياسية. بالعودة للذاكرة، نجد أن كبار المقرئين والمنشدين (مثل الحصري أو النقشبندي قدبماً، ومنشدين معاصرين) واجهوا مواقف مشابهة عند زيارة دول معينة أو أداء ألوان تراثية تابعة لمذاهب أو قوميات أخرى. تاريخياً، كان الفن الإسلامي وسيلة للتقريب، لكن مع صعود “تسييس الدين” في العقود الأخيرة، أصبح كل حرف تحت المجهر، وما كان يُعتبر “تنوعاً ثقافياً” في الماضي، قد يُنظر إليه اليوم كـ “موقف سياسي” مثير للريبة.
أبعاد الجدل المثار حول مشاري العفاسي
لنفهم لماذا اشتعلت هذه الأزمة، يجب النظر إلى هذه النقاط الحيوية:
- اللغة واللحن: استخدام المقامات أو اللغات المرتبطة بإقليم معين يثير أحياناً تساؤلات عن “الرسالة المبطنة” خلف العمل الفني.
- التوقيت: غالباً ما تنفجر هذه الأزمات في أوقات التوتر السياسي، مما يجعل العمل الفني وقوداً لنار مشتعلة أصلاً.
- ردود الفعل الرسمية: صمت أو تعليق المنشد يلعب دوراً في إنهاء الأزمة أو تأجيجها، وفي حالة العفاسي، لطالما عُرف بمواقفه الواضحة، مما جعل هذا الجدل تحديداً مستغرباً لدى الكثيرين.
- التضامن الشعبي: رغم الهجوم، برزت جبهة عريضة ترفض المساس بالشيخ، مؤكدة أن تاريخه في خدمة القرآن الكريم يشفع له أمام أي تأويلات مغلوطة.
خاتمة ورؤية استشرافية: مستقبل “النشيد” في زمن الاستقطاب
إن أزمة “أنشودة إيران” المنسوبة للعفاسي هي درس لكل صانع محتوى ديني أو قيمي. من المتوقع أن تشهد الفترة القادمة تراجعاً في “التجريب الثقافي” من قبل المنشدين لتجنب سوء الفهم، أو على العكس، قد نرى جرأة أكبر في طرح أعمال تكسر حدة الاستقطاب وتدعو للتعايش.
رأيي المهني: سيبقى مشاري العفاسي رقماً صعباً في عالم الإنشاد، وهذه الأزمة ستذوب كما ذاب غيرها، لكنها تترك تساؤلاً مفتوحاً: هل يحق لنا محاكمة الفن بمقصلة السياسة؟ الإجابة تكمن في وعي المتابع وقدرته على الفصل بين جمال الصوت وحسابات المواقف. الأيام القادمة ستحمل توضيحات أكثر، وربما عملاً فنياً جديداً يرد فيه الشيخ بأسلوبه المعهود: “الجمال يجمعنا”.